فخر الدين الرازي

470

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ والمعنى أن كل ما كان حاصلًا فإنه يجب أن يعلمه اللَّه فعدم علم اللَّه بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم اللَّه بوجوده ، وتقرير الكلام لو حصل فيهم خير ، لأسمعهم اللَّه الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهيم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها ، ولتولوا وهم معرضون . قيل : إن الكفار سألوا الرسول عليه السلام أن يحيي لهم قصي بن كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته ، فبين تعالى أنه لو علم فيهم خيراً ، وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ، ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت ، وأنه لم أسمعهم اللَّه كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه ، وفي هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالإعراض عن الحق وأنهم لا يقبلونه البتة ، ولا ينتفعون به البتة . فنقول : وجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالًا ، لأنه لو صدر الإيمان ، لكان إما أن يوجد ذلك الإيمان مع بقاء هذا الخبر صدقاً أو مع انقلابه كذباً والأول محال ، لأن وجود الإيمان مع الأخبار بعدم الإيمان جمع بين النقيضين وهو محال . والثاني محال ، لأن انقلاب خبر اللَّه الصدق كذباً محال . لا سيما في الزمان الماضي المنقضي ، وهكذا القول في انقلاب علم اللَّه جهلًا ، وتقريره سبق مراراً . المسألة الثانية : النحويون يقولون : كلمة ( لو ) وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لأجل انتفاء غيره ، فإذا قلت : لو جئتني لأكرمتك ، أفاد أنه ما حصل المجيء ، وما حصل الإكرام . ومن / الفقهاء من قال : إنه لا يفيد إلا الاستلزام ، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير ، فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية ، فهي هذه الآية ، وتقريره : أن كلمة ( لو ) لو أفادت ما ذكروه لكان قوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم . ثم قال : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا فيكون معناه : أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات ، فأول الكلام يقتضي نفي الخير ، وآخره يقتضي حصول الخير ، وذلك متناقض . فثبت أن القول بأن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض ، فوجب أن لا يصار إليه . وأما الخبر فقوله عليه السلام : « نعم الرجل صهيب لو لم يخف اللَّه لم يعصه » فلو كانت لفظة « لو » تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف اللَّه وعصاه ، وذلك متناقض . فثبت أن كلمة ( لو ) لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وإنما تفيد مجرد الاستلزام . واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء . المسألة الثالثة : أن معلومات اللَّه تعالى على أربعة أقسام : أحدها : جملة الموجودات . والثاني : جملة المعدومات . والثالث : أن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله . الرابع : أن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والقسمان الثانيان عم بالمقدر الذي هو غير واقع ، فقوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات ، وليس من أقسام العلم بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ . . . وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وقال تعالى : لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ [ الحشر : 11 ، 12 ] فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله ، وأيضاً قوله :